شباب بونه

ملتقي لكل الطلاب السودانيين بالهند - بونا


    بيع وشراء على ضفة النيل!!!!

    شاطر

    ahmedskoo

    عدد المساهمات : 133
    تاريخ التسجيل : 02/01/2010
    العمر : 33

    بيع وشراء على ضفة النيل!!!!

    مُساهمة  ahmedskoo في الأحد يناير 10, 2010 4:54 pm

    لفافات بلاستيكية طائرة هنا وهناك وسط مهرجان أزياء باهر الألوان، وأصوات تتعالى وتتصايح وتتناحر بشتى لغات الأرض، وأموال تلقى من علٍ لتتلقفها أياد ماهرة قبل أن تسقط في الماء الداكن. مشهد قد يفسره من يراه خارج سياقه على أنه جزء من فيلم حركة، أو مشاجرة دولية الأطراف، أو لحظة هياج لنزلاء مستشفى للأمراض العقلية.. ولكن الأمر مختلف بحق، ويحتاج لإعادة صياغة ورؤية متسلسلة منذ بداية الحدث.

    البداية مع الفنادق النيلية العائمة التي تتهادى متجهة إلى الضفة الغربية من نهر النيل لتصطف في انتظار دورها لعبور هويس خزان إسنا، والتي تقع على بعد 600 كلم جنوب القاهرة (50 كلم جنوب الأقصر، 150 كلم شمال أسوان).

    والهويس هو نظام ملاحي نهري، يستخدم ليسهل عبور السفن والمراكب بين مستويين مختلفين من المياه، يستخدم عند السدود أو مناطق الشلالات. ويعتمد الهويس على تخصيص غرفة أو أكثر، ذات بوابات، لمرور السفن، بحيث يتم احتجاز السفينة في هذه الغرفة، التي يتم ملؤها بالمياه أو تفريغها حسب اتجاه السفينة إلى أن يصل الماء إلى منسوب الجزء الآخر من النهر فيمكنها العبور.

    ويعود هذا النظام الملاحي إلى عصور قديمة، وهناك اختلاف في نسبه، فالبعض يقول إن مخترعيه هم الفراعنة، بينما يقول آخرون إنهم الصينيون، لكن أدخلت عليه تعديلات وتم تطويره على يد العالم الإغريقي الأشهر أرشميدس، في القرن الثالث قبل الميلاد.

    وبينما السفن في انتظارها الرتيب، تحيطها مجموعات من مراكب ذات مجاديف، أتت من حيث لا يدري أحد. على كل مركب شخصان أو ثلاثة، يحتل أحدهم نصف الزورق الصغير ممسكا بالمجاديف الطويلة، بينما الآخر يقف موازنا الثقل على الطرف الآخر، فاردا بين يديه بضائعه، التي يلتقطها من أكياس قماشية موضوعة في باطن القارب، ليريها للزبائن الواقفين على أسطح السفن، يفصل بينهما ما قد يزيد عن الأمتار العشرة ارتفاعا. تتنوع المعروضات ما بين جلباب أو شال أو قلنسوة، أو غيرها من المنسوجات محلية الصنع، ذات طرز شديدة الخصوصية، حاملة في طيات نسيجها ملامح شرقية عربية أو فرعونية، مما يغري السائحين بالشراء على سبيل التذكار أو الإهداء للأقارب والأصدقاء في بلدانهم.

    كما أن الحفلات التنكرية الشرقية (الجلابية بارتي)، التي تقيمها الفنادق العائمة عادة، ويتم الإعلان عنها قبل المرور في الهويس في الأغلب، تدفع السائحين للتبضع بغرض التنكر والتقاط الصور.

    يعرض البائع الثوب أمام جمهوره، ثم يلمح بعينه الفاحصة المدربة بحكم خبرة وشقاء السنين، زبونا لديه اهتمام ما بما يعرضه، فيسرع ليلف ما بيده في كيس بلاستيكي، ويحكم رباطه في ثوان، ويقيس بنظرة واحدة المسافة والارتفاع بينما يده تتحسس ثقل اللفافة، قبل أن يفرد ذراعه إلى الخلف، ويميل بجزعه قليلا ويرتد في لحظة لتصير اللفافة في الهواء ثم تحط بين يدي الزبون في مهارة يحسده عليها أبرع لاعبي كرة السلة في دوري المحترفين الأميركي. يفض الزبون اللفافة، ويخرج ما بها لتبدأ مرحلة الانتقاء، فالحجم غير مناسب، أو اللون لا يعجبه، فيعيدها في الكيس ثم يلقيها إلى الأسفل، ليتلقفها البائع، أو قد تسقط في الماء فيتابعها المجدف حتى يمسك بها، ويعاود الرجل الكرة مع الزبائن حتى يرضوا عن السلع، لتليها مرحلة المفاوضات المرهقة على السعر.

    المحادثة تتم بالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية أو عبر لغات أخرى، تعلمها الباعة البسطاء طوال رحلتهم لجلب الرزق.

    مهرجان الأزياء على سطح المركب يزيح جانبا الخصوصية التي يعشقها الغربيون عموما، فالكل يجرب أثوابه أمام الكل، والكل يبدي رأيه في أريحية مطلقة، فلا عجب أن يسألك شخص لا علاقة له بك سوى الجوار اللحظي عن رأيك فيما يرتدي، أو أن تسألك إحداهن عن الطريقة المصرية المثلى لربط غطاء الرأس المزركش الذي تتعلق به مئات القطع النحاسية والفضية. يصنع المهرجان من المشترين ومتابعيهم عائلة واحدة، تتعرف على بعضها في لحظات، لتتوطد العلاقة في ما تبقى من أيام الرحلة على ظهر السفينة. تقول الفرنسية إيفا عن البضائع: «الأشياء هنا رائعة بحق، ورغم أنني ساومت وفاصلت كثيرا، حسبما نصحني المرشد السياحي، حتى حصلت على هذا الجلباب المطرز بعشرة دولارات بدلا من ثلاثين طلبها البائع، فإنني أجد أن الثلاثين التي طلبها في البداية كانت سعرا معقولا بالنسبة إلى ثمن هذه المنتجات في أوروبا». أما البولندية ماجدا فتقول: «اشتريت أشياء على سبيل التذكار، جودة الأشياء متوسطة وقيمتها معقولة، طبعا لن أرتديها في حياتي العامة، قد أريها للأصدقاء عند عودتي أو أستخدمها لأبهرهم في الحفلات التنكرية، ولكن أكثر شيء دفعني للشراء هو غرابة المشهد وتفرده، فلم أر مثله أبدا من قبل في كل الدول التي زرتها». فريدريش، من ألمانيا، لم يشارك في عمليات البيع والشراء، بل كان منشغلا طوال الوقت خلف شاشة كاميرا الفيديو التي يحملها في يمناه، بينما يسراه تلتقط بين آن وآخر لقطة بالكاميرا الرقمية المعلقة في رقبته، فريدريش يعشق التصوير، ويشارك أحيانا في المعارض المتخصصة. يقول بينما هو مستغرق تماما في التصوير: «هذا المشهد رائع، أتيت إلى مصر بغرض تصوير المعالم العظيمة الساكنة، ولكن هذا المشهد الحي من أعظم ما رأيت في حياتي». وفي كلمات سريعة وبسيطة التقطتها «الشرق الأوسط» من فم عمر، أحد الباعة، يقول عن تجارته: «هذه المهنة توارثناها عن عائلاتنا، والسياح يفضلون الشراء منا أكثر من الشراء من البازارات، لأن أسعارنا أقل، كما أننا ننفرد بمشهد السوق العائم الذي يغريهم بالشراء».

    تتحرك السفينة لتدخل من الممر الضيق للهويس، فتبدأ المراكب الصغيرة في الابتعاد، وتتعالى صيحات البائعين على متنها في طلب ثمن البضائع أو الأشياء التي لم تعجب المشترين، أو في محاولة لعقد صفقة أخيرة في اللحظات الفاصلة. ثم ما تلبث المراكب أن تتراجع لتكوِّن عقدا غير متصل، في انتظار فوج آخر من السفن يحمل لهم رزقا وأملا جديدا على سطح النيل
    .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 07, 2016 4:19 pm